أتحدّث في هذه التدوينة عن كيف تغيّرت نظرتي تجاه التعليم التقليدي / الرسمي. وعن الظروف والتنقلات المرافقة لذلك.

سأبدأ من النقطة التي تقول بأنني كنت قد تجاوزت الثانوية العامة بمعدّل جيد، لكنه لم يسمح لي بدراسة هندسة الكمبيوتر في جامعة عامة، وهو ما كنت أنويه آنذاك. ورفضتُ عرض الوالد بدراسة الفرع ذاته في جامعة خاصة. أذكر أن دافعي للرفض كان الخوف من تحمل المسؤولية. كنتُ أخشى الرسوب أو عدم تحقيق النجاح بعد دراستي للفرع رغم ما سينفقه أهلي من تكاليف. وهكذا جاءت نتيجة المفاضلة العامة متيحة أمامي الفرصة لدراسة هندسة الكهرباء، والتي كنتُ أتمنى أن لا تكون من نصيبي.

لهذه العوامل، وغيرها، كان تحصيلي الدراسي متوسطًا وبطيئًا، حتى اندلعت الثورة السورية وتوقفت الحياة في مدينتي لعامين من الزمن. للأمانة، كان يمكنني متابعة الدراسة حينها، لكن الظروف أتاحت لي فرصة البقاء في المنزل وتعلم برمجة الويب وكان هذا ما فعلته. بعد تلك الفترة عادت الدراسة الجامعية إلى سابق عهدها، وتمكنت، بشقّ الأنفس، من الوصول إلى السنة الدراسية الخامسة (والأخيرة) لولا تلك الورقة!

ورقةٌ عُلقت على لوحة الإعلانات استدعت الطالب طريف لمراجعة شعبة الإمتحانات. ليصار إخباره بأن إدراج اسمه في قائمة من يحقّ لهم دخول الدورة الامتحانية الفائتة كان خطأً من الموظف. وتبعًا للقانون، فإنه سيتم إلغاء المواد التي نجحتُ بها ما سيُعيدني طالبًا في السنة الرابعة. الأخطر، أن ذلك كان سيعني تحولي لمطلوب للخدمة العسكرية الإلزامية!

هكذا خرجتُ من البلد وبدأتُ مع شريكة حياتي، حنين، رحلة تكوين أنفسنا في تركيا.مضى عامان بسرعة شديدة، نحاول تعلم اللغة، وتأمين مصروفنا والتعرف على محيطنا الجديد هنا. عملتُ خلال تلك الفترة مع شركة حسوب.

نتيجة لظروفنا آنذاك، ولسخطي على المؤسسات التعليمية الرسمية، لم أكن قادرًا ولا متحمسًا لمتابعة تحصيلي الدراسي، رغم استخراج الأوراق اللازمة لذلك. كنتُ أرى أن المهارة أهم من الشهادة، والتعلم الذاتي تتفوق نتائجه على التعليم التقليدي، وأن المؤسسات التقليدية لن تُهيئ أشخاصًا جاهزين لسوق العمل.

تدريجيًا، مع مرور الأشهر، بدأت أرى أوجه قصورٍ في قناعاتي السابقة. ولماذا كان يحرص أهلي على إكمال دراستي الجامعية. فما يهم في سوق التوظيف هو ما يُقدّره أرباب العمل على وجه العموم، وليس ما أقدّره أنا. وأن التعلم الذاتي دون تأطير ومنهجية ودافع سرعان ما يتشتت وتخور نتائجه. وأن المؤسسات التقليدية ليست سواء، فكفائتها وأساليبها على تفاوت كبير.

في تقريره الصادر بعنوان Recovery توصل معهد CEW (وهو معهد أبحاث وسياسات مستقل وغير ربحي) أن 64% من الوظائف الشاغرة في أمريكا تتطلب تعليمًا جامعيًا ما.

يُشير المخطط البياني التالي من مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل أن دخل الفرد مرتبط بشكل وثيق مع تحصيله الأكاديمي، التقرير نفسه يذكر أن معدل البطالة كذلك يتناقص مع إزدياد التحصيل العلمي:

median-weekly-earnings

لكن ماذا عن بيل غيتس وستيف جوبز وهذا الطابور الطويل من اللامعين الناجحين الذين لم يكملوا تعليمهم الأكاديمي؟ أجل هؤلاء موجودن ويمكن لأحدنا أن يكون منهم، لكن لا يزال 91% من الناجحين قد أكلموا المرحلة الأولى من التعليم الجامعي على الأقل.

ما غيّر رأي ليس الأرقام السابقة المأخوذة من سياق المجتمع الأمريكي وحيثياته، ففي الحقيقة استخرجت هذه الأرقام أثناء كتابتي للتدوينة. كما أنها أرقامٌ لا تُعبّر عن ظروف ومعطيات أيٍ من المجتمعات العربية، والتي تعاني من مشاكل اقتصادية أعمق من أن تنجع معها (أحيانا) حلولٌ فردية.

تغيّر قناعاتي جاء نتيجة ما لمسته من واقعي ومشاهداتي كما أسلفت. فرغم أن الشهادة الجامعية قد لا تفتح أبوابًا استثنائية، إلا أنها لا تزال مطلوبة لمن يرغب بالاستقرار طويل الأمد في بلد أجنبي، ولا تزال ورقة يمكنك استثمارها للسفر والحصول على تأشيرة في حال اضطرت لذلك، ولا تزال ورقة لازمة في ملف تقديمك لمعظم جهات العمل. إنها وكفائتك معتمدك الوحيد في بلاد الغربة.

محاولتي للدراسة والتعلم الذاتيين كانا ولا يزالا عاملين أساسين للمضي قدمًا. لكن غياب الإطار، والمنهجية والدافع كانا يشتتان تلك الجهود ويضعفان مردودها. تحدثت سابقًا عن أهمية الإطار والمنهجية. أما الدافع، فلك أن تقارن أن قرائتي لسلسلة YDKJS استغرق ثلاث سنوات (1000 صفحة)، بينما أنهيت قراءة ودراسة مقررين جامعيين (700 صفحة) خلال شهرين فقط. نظام الدرجات والاختبارات الدورية والامتحانات النهائية متعب، مملل، وصعب أحيانًا، ولكن هذا هو ما تريده كي تقطع في أربع سنوات شوطًا معتبرًا في رحلتك نحو اكتساب المهارة والاختصاص.

هكذا إذن، قدّمتُ أوراقي الجامعية التي استخرجتها من سوريا إلى عدد من الجامعات التركية، وحصلتُ على قبول في إحداها، قدمت استقالتي من حسوب، مُفضًلا العمل بشكل حر بما يتيح لي تخصيص وقتٍ للدراسة الأكاديمية.

إلا أن محاولتي هذه لم تبؤ بالنجاح. فقد وجدت أن الذهاب إلى الجامعة يوميًا لحضور المحاضرات يستنزف قدارًا كبيرًا من وقتي وطاقتي، وإلى جانب ذلك أحتاج وقتًا إضافية للدراسة ومتابعة المواد. بدا هذا شبه مستحيل بالنسبة لي إلى جانب إلتزامات العمل. أيضًا استصعبت الدراسة باللغة التركية، وهي صعوبة لابد منها في العام الأول. هكذا، حاولت تقديم بعض المواد لكن سرعان ما وجدت نفسي وقد توقفت عن الذهاب إلى الجامعة والاهتمام بشأنها كليًا.

بقي ملف الجامعة، مفتوحًا، مغلقًا ومواربًا في آن معًا، أحتار ما أصنع به، إلى أن علمتُ بأمر جامعة الناس University of the People.

جامعة الناس هي جامعة أونلاين، معتمدة أمريكيًا، لا تتقاضى رسومًا للتدريس. ما الذي يعنيه ذلك؟

الدراسة أونلاين 100%. يعني أنه لا وقت ضائع في المواصلات جيئة وذهابًا. إضافة إلى أن أسلوب الدراسة لاتزامني Asynchronous. بمعنى أنه يمكنك حضور المحاضرات، تقديم الوظائف، المشاركة في الصف، وارتياد الامتحانات في الوقت الذي يناسبك، ضمن إطارٍ زمني مُحدد. هذا يختلف عن أسلوب التدريس التزامني الذي اعتمدته معظم المدارس والجامعات في ظل تدابير مكافحة جائحة كورونا، والذي يحضر فيه الأستاذ والطلاب في نفس الوقت معًا.

الدراسة اونلاين بشكلٍ لاتزامني هي الأسلوب الأمثل للأشخاص الذين يرغبون بالتوفيق بين الدراسة وواجباتهم الأخرى، كالعمل. بهذه الطريقة يمكنك أن تدرس في الصباح الباكر، أو في المساء المتأخر، أن توزع دراستك على أيام الأسبوع أو تضغطها في عطلة نهاية الأسبوع. الأمر كليةً يرجع لك.

من النقاط التي تميز أسلوب التدريس في جامعة الناس، هو أن العام الدراسي الواحد موزع على عشرة أشهر من السنة. حيث تتكون السنة الأكاديمية من خمسة فصول، كل منها يمتد لشهرين. وهكذا يتوزع ضغط الدراسة على مدار العام، بدلًا من حصره بستة أشهر، وهذا ما يساعد أيضًا على العمل إلى جانب الجامعة.

معتمدة أمريكيًا. تنال المؤسسات التعليمية اعتمادها الرسمي من أيٍ من وكالات الاعتماد التي ترخصها وزارة التعليم العالي الأمريكية. جامعة الناس حصلت على اعتمادها الرسمي منذ 2014 من وكالة DEAC. وهي وكالة اعتماد فيدرالية. تقدمت الجامعة بطلب لنيل الاعتماد الإقليمي أيضًا من وكالة WASC وترشحت لنيله. ورغم أن وزارة التعليم العالي الأمريكية كانت قد ألغت في شباط 2020 الفارق بين الاعتماد الإقليمي والفيدرالي، إلا أن نيل الاعتماد الإقليمي من شأنه تسهيل انتقال الطلاب لمتابعة دراستهم من جامعة الناس إلى الجامعات الأخرى المعتمدة إقليميًا.

بدون رسوم تدريس. تتوزع الرسوم الدراسية عادةً ما بين أجور تسجيل، رسوم مقابل التدريس، أجور الإمتحانات، وغيرها. وتُشكل رسوم التدريس الحصة الأكبر من هذه التكاليف. جامعة الناس لا تتقاضى أجورًا على التدريس. وتعتبر محصلة الرسوم الأخرى معتدلة حتى بالنسبة للطلاب في العالم العربي. حيث تُكلف درجة البكالوريس بالإجمالي $4,860 موزعة على شكل: 60 دولار رسوم تسجيل، و120 دولار أجور تقييم لكل كورس.

التحقتُ بجامعة الناس منذ ما يناهز العام بقليل لدراسة درجة البكالوريس في علوم الحاسوب، وأتممتُ 11 كورسًا من أصل 40 كورسًا مطلوبة، رغم عملي بدوامٍ كامل. وهذه تجربة دراسة مختلفة جذريًا عن تجاربي السابقة وغنية بشكلٍ كبير.

خصائص أخرى للدراسة في جامعة الناس:

  • المادة التدريسية هي كتب ومواد مقروءة أساسًا. توفر بعض الفيديوهات لكنها تعتبر مواد تكميلية اختيارية. هذا يتوافق مع تفضيلي بالدراسة قراءةً.
  • يتوزع كل فصل على 8 أسابيع. يمكن دراسة مقررات كل أسبوع في الوقت واليوم الذي تختاره ضمن ذلك الأسبوع.
  • يُشكّل تقييم الأقران جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، ولذلك إيجابياته وسلبياته.
  • دور المحاضر بشكل أساسي طرح الواجبات، تقييم بعضها، حل المشاكل والصعوبات التي يواجهها الطالب والمتعلقة بالمادة. لا يقوم المحاضر بشرح الدروس مباشرة.
  • الواجبات أيضًا عبارة عن مشاركات نصيّة وأكواد. هذا كله يعني عدم حاجتك لإتصال انترنت سريع حيث لا اتصالات مرئية أو صوتية.
  • بقي أن أذكر أن الجامعة تضم عدة كليات بالإضافة إلى برنامجهم باللغة العربية لتدريس إدارة الأعمال.