/ المجتمع والواقع

لماذا لا نختار "الجحيم" لداعتنا ؟!

يبدأ الأمر كله من شعورنا بالإنتماء، هل نشعر أننا ننتمي لبعضنا حقاً؟ هل نشعرُ بالإنتماءِ لهذه الأمة؟
الشعور بالإنتماء أحدُ أهم مقومات الهويّة، وهو كذلك دافع وراء إهتمامنا ببعضنا البعض، فرحنا بإنجازات بعضنا، إحتفاء كل واحدٍ منا بما ينجزه الآخر لخدمة هذه الأمة ..
الشعور بالإنتماء عندما يسود أفراد المجتمع : يفرز فيما بينهم الإلفة والمحبة، وحرص بعضهم على بعض … نوعٌ من الترابط والإخاء، يقوّي المجتمع، أو يجعل منه “مجتمعاً” قبل كل شيء ..
ليس فقط نحن لا نهتم ببعضنا، أيضاً نحن لا نهتم برموزنا … لا نحتفي بهم .. وحتى لا نحترمهم!! نحن أصلاً لا نعترف بهم … أو لا نعرفهم !!
من يعدد لي أسماء خمسة مخترعين عرب معاصرين (أقصد لا زالوا على قيد الحياة) ؟
نعم المخترعين من العرب قلة ولكن من يحتفي بهذه القلة؟ من يعرفها ؟ لماذا لا نروّج لرموزنا ونعتز بهم ونشعر بالفخار أنهم “منا”، من هذه الأمة الولود ..
لماذا لا تُسمى الشواع بأسمائهم، لماذا لا يروّج لهم إعلامنا المشغول بالتطبيل والتزمير لـ “رموزٍ” باتت أشبه بالأوثان …

رموزنا السياسية أيضاً، رموز المقاومة، المجاهد خالد مشعل مثلاً، لماذا (وحتى بعد إنتصار غزة) لم نحتفي به كما يجب؟، لماذا لم نسمع بجائزة تحمل اسمه؟، لماذا لا يمكننا مشاهدة صوره في كل مكان ؟ لماذا لم يهرع الآباء لتسميه مواليدهم بـ “خالد” كما فعلوا مع “مهند” .. آخر وثن تم طرحه إعلامياً ..
فضلاً عن ذلك فنحن نسمع من يشتم هذه الرموز ويهينها ويستخف بها وبإنجازاتها ..

كل هذا ويصل “اللاانتماء” إلى رموزنا الدعوية، غريبٌ والله أمرنا .. لا يوجد أحدٌ يتقن فن الطعن بالرموز أكثر منا ..
نعم أنتَ قد تختلف قليلاً أو كثيراً مع أفكار هذا الداعية أو ذاك .. لكني هنا أتحدث عن إحترام الأشخاص وتقديرهم والإحتفاء بهم ..
يمكننا أن نجلس سوياً لمناقشة بعض الأفكار التي يطرحها الداعية فلان، فنقبل ونرفض، نُعجب ونُسفّه، لكن لمَ ينتقل القبول والرفض والإعجاب والتسفيه إلى ذات الداعية وشخصه بدلاً من أفكاره ..
لماذا لم نفهم إلى اﻵن كيف نعمل معاً فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه ..
أن نعمل معاً يعني أن نبقى كأخوة، كأحباب، في ساحة العمل، لا كمتنافسين، أن نكون أثناء العمل كــ “البنيان المرصوص” (هل مازلتم تتذكرون وصفاً كهذا؟؟) ، وأن نعذر بعض فيما إختلفنا لا يعني أن لا نناقش الأفكار التي نرفضها، بل أن نلتمس عذراً لمن صدرت عنه … على طاولات الحوار سيكون الإختلاف …. دون شتم ودون تحقير واستهزاء وطعن .. لأننا نعذر بعضنا … وفي ساحات العمل سنكون كــ “البنيان المرصوص”.

لماذا بتنا نشوه رموزنا الدعوية ونلصق بها التهم ونروج حولهم الشائعات .. أو حتى لماذا نسكت أمام من يجرئ على شتمها .. هذه رموزنا وإحترامها دليل على إحترام الذات الجماعية لهذه الأمة، وإحترامها دليل على سَعة الصدر مع المختلف، أما شتمها فهذا حرام، أما سبها فهذا إنتقاص مما تقدمه من جهود لخدمة هذا الدين الذي ننتمي له جميعاً، هو شعور بعدم الإنتماء لبعضنا ….
أعيد : يمكنك أن تضع أفكار هذه الرموز في الميزان الذي ترغب، وتأخذ منها ما تشاء، وتدع منها ما تشاء … تُسفّه فكرة … وتُعجب بأخرى … لكن أن تسفه الداعية نفسه، أن تصفه بـ “الضال المضل”، أن تحذّر الناس من متابعته … لماذا بتنا نفترس بعضنا بطريقة مؤسفة ….

وكمثال – لا غير – على ما سبق ما نراه ونسمعه عن الأستاذ عمرو خالد (وهو من أشهر الرموز الدعوية، ان لم يكن أشهرها)، عمرو خالد صنف كواحد من عشرة أشخاص الأكثر تأثيراً على مستوى العالم ..
من البساطة بمكان أن ننتقد بعض أفكاره (أو كلها!) وننتقد بعض أساليبه، لكن أن نهاجمه كشخص ونحاول أن نفترس “رمزيته” .. أن نحذر الناس من مشاهدته … أن نبدعه … أن نكفره … فهذا مرفوض مرفوض
نعم لقد كنتُ ممن إنتقد حملة ختم القرآن الأخيرة التي أطلقها الفاضل عمرو خالد، لكنني أحبه، وأقدّر مجهوده الهائل لخدمة هذا الدين، وأستمع لبرامجه كلما سنحت لي الفرصة.
هكذا دائماً يتعامل مع الرموز .. دائماَ ما تتم تصفيتهم المعنوية حتى يفقدوا تأثيرهم وبريقهم …
اليوم كَثُرَ الحديث عن “الضال المضل” عمرو خالد … وكَثُرَ الإستهزاء به من متدينون … وسلفيون … وغيرهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ)
بتنا نسمع من بعض دعاتنا المحترمين الرائعين كلاماً مؤسفاً عن عمرو خالد من تجريح وانتقاص ونعت بالفشل .. هذا مؤسف للغاية ..
لقد قرأتُ وسمعتُ لعمرو خالد وطارق السويدان ومحمد حسان والحبيب الجفري وعائض القرني والكثرين … وقد قدّرتُ جهودهم (عندما تعرّفت عليها) وفخرت بهم وبإنجازاتهم … وبإنتمائي وهم لأمة واحدة، لم أحقر أحداً ولم أتعصب لأحد …

أنا لا أتحدث عن تقديس الرموز، لا أتحدث عن موقفي من أطروحاتهم وأفكارهم …. أنا أتحدث عن شعورنا بأننا ننتمي وهم لأمة واحدة ونخدم ديناً واحداً … أتحدث عن تقديرنا واحترامنا لجهودهم الرائعة لخدمة هذه الأمة وان اختلفنا معهم بالتوجهات واﻷفكار…

لا أريد أن يفهم أحد هذه التدوينة دفاعاً عن الأستاذ عمرو خالد فقط، بل هي دفاع عن كل رمز عربي إسلامي في أي مجال يعمل لهذا الدين ولهذه الأمة، ويَجدُ من بني جِلدَته كل أشكال التصفية المعنوية، والكراهية.
والسلام عليكم