/ طريفياتي

عام 2015: زواجي، سفري، وعملي من المنزل

ها قد انتهى عام 2015، إنها واحدة من أكثر سنوات حياتي إثارة :))
إن كنتَ شخصًا مثلي (أي تشبهني، وليس أي شيء آخر)، فغالبًا ما ترغبُ بالعودة إلى دفاترك وأوراقك لتجري مراجعةً عن كيف مضى هذا العام، مالذي حققتَه، أبرز أحداثه، ما الذي تعلمته، وهذا سيساعدنا كثيرًا في وضع التصوّر الإجمالي لعام 2016.
انتهاء عام وبداية آخر ليست سوى ناحية تنظيمية ابتكرها البشر لتنظيم مسائل حياتهم ومعاشهم على هذه البسيطة، ورغم أننا نتحمّس للبدايات، إلا أنها في الحقيقة لن تحمل لنا الكثير إذا لم نبادر بالسلوك بشكل مختلف، البدايات هي أسلوب لتنظيم المخططات وترتيب الأولويات وفرصة للمراجعة والتقييم، لكن إذا لم نملك نظامًا شخصيًا لنا، فمثل هذه الأدوات لن تساعدنا كثيرًا.

سوف أشارككم هنا بعض النقاط في مراجعتي لعام 2015 وتهيئتي لهذا العام:

~ قبل بداية 2015 بيومين أو ثلاثة تزوجت من حنين، وهذه أهم نقلة حققتها على الإطلاق، وأنا لا أقصد هنا بالزواج الارتباط القانوني أو العاطفي أو البدء بتأسيس أسرة (وهو بالتأكيد يشمل ذلك)، لكني أعني بدء حياة جديدة تمامًا مبنية على الخيارات الشخصية، وليس الحياة التي نجد أنفسنا بها دونما اختيار.

فواحدنا يكبر ليجد نفسه محاطًا بأسرة، تقاليد، ثقافة، عادات، أفكار، سلوكيات ومواقف لم يختر منها شيئًا، إنها صدمة المراهقة، عندما يبدأ وعينا بالتفتّح على العالم الآخر الموجود، وكلما اتسعت دائرة الإطلاع كلما كانت الصدمة أكبر.
في ذلك الوقت، يفضّل البعض أن يطوي هذه الصفحة، ويتجنب “وجع الرأس” و المشاكل والمجابهات، ليكون مثل الآخرين الذين يحيطون به، من هذه المدرسة يتخرّج الأطفال المطيعون ولاحقًا الموظفون المطيعون، إنهم نوعية الأشخاص الذين يقدّسون “الأمان” و “الاستقرار”، كأهم القيم الحياتية المعاشة، وكل شيء آخر يأتي بعد ذلك.
البعض الآخر يبدو عنيدًا ومشاكسًا ويحب أن “يبدو مُختلفًا” أو أن يتبّع الصحيات والموضة كما يقال عنه، وبكلّ الأحوال فهو لا يهتم كثيرًا بوجع الرأس والمشاكل، بقدر اهتمامه بتنفيذ ما في رأسه، والعيش وفق تصوره ورغباته.
الفئة الأعرض منّا (على ما أظن) تتدرّج بين هذين التصنيفين، وتأخذ موقعًا على السلّم الممتد بينهما.

بالنسبة لي فقد حاولت خلال سنوات حياتي الماضية الموازنة بين هذين الخطين، فمن جهة كنتُ مهتما للغاية بتوسيع دائرة إطلاعي على “العالم الآخر” بمختلف الاتجاهات، جدّفت كثيرًا وبعيدًا، ولا أزال أعدّل آرائي باستمرار حسبما يستجد لي، المهم أنني مستمتع في رحلة استكشاف هذا العالم وبناء منظار شخصي له. وفي المقابل كنت أتحاشى الاصطدام مع أسرتي معظم الأوقات..

هكذا كنتُ أبني نمطي الخاص شيئًا فشيئًا بعملية داخلية بطيئة، بينما أستمر في حياتي الخارجية بسلام يتيح لي التركيز وتوفير الوقت والجهد في معارك جانبية لن تثمر شيئًا.
هذه العملية لن تستمر إلى الأبد بالطبع، المنعطف الرئيسي كان تعرّفي على حنين (نهاية 2011) وشروعنا معًا في بناء مركب لنسافر به إلى عالمنا الخاص، ذلك العالم الذي رحنا نشكّله بسرعة أكبر من السابق، ونهتم بخطوطه العريضة وتفاصيله الكثيرة بشكلٍ كبير.
ثم جاءت لحظة الصدام مع الأهل (نيابةً عن المجتمع)، فكلّ شيء بات جاهزًا تقريبًا ولم يتبقّ سوى الركوب والإبحار، تفاصيل التصادم كثيرة ومتشعبة ومتعبة لكن في النهاية يمكنني القول أنني فعتلها 🙂 تزوّجت من حنين، وبموافقة ورضا الجميع.
زواجنا هو بداية رحلتنا الشخصية نحن الإثنين، لإسقاط الأفكار التي كانت في رؤوسنا على أرض الواقع، وهو نجاح في حيازتنا حقنا الطبيعي في الاختيار، الاستقلال، العيش والتصرف والسلوك وفقًا لما نراه وليس لما يراه أي حد آخر.

~ شاءت الظروف أن تضطرني للخروج من البلاد، وهكذا اجتمعت ثلاثة تحديات رئيسية علينا، السفر، العمل في الغربة، ومسؤوليات فتح البيت.
كانت الأشهر الأولى من العام الأكثر صعوبة، فأنا في بلد جديد لا أتقن لغته، بدون شهادة جامعية حيث لم أستطع التخرّج من جامعتي لظروف أخرى، وكل ما أملكه هو ألفين دولار لا غير كنتُ قد اقترضتها من أحد الأصدقاء.
قرارانا الرئيسي الأوّل كان؛ أين سنعيش؟ هذا السؤال ترتبط به متغيّرات أخرى، فإذا اخترت إحدى المدن التي تتركّز بها الجالية السورية، فسأبحث إذًا عن عمل مكتبي، وقد عُرض علينا – حنين وأنا – العمل في إحدى المكاتب الإعلامية السورية في إسطنبول لكنه كان بالكاد يُغطّي تكاليف معيشتنا هناك (حيث غلاء إسطنبول، الازدحام، دوامة العمل لـ 9 ساعات يوميًا إلخ)، وهذا بدوره سيُعطّل مسارات أخرى نحن بأمسّ الحاجة إليها: تعلّم اللغة التركية، والعمل على أنفسنا (وهو أكثر ما نقدّره).
وسط الحيرة، جاء قرارنا بالنفي الإجباري إلى واحدة من المدن التركية المنسية على شواطئ البحر الأسود، هناك لنجبر أنفسنا على تعلّم التركيّة والعمل من المنزل (خيارنا الذي نرغب بتجريبه والعيش وفقه) حيث لا خيار آخر.
في مدينة لا نعرف بها أحد على الإطلاق، وبلغة لا نعرفها، حطّت رحالنا نبحث عن منزلنا الأول.
الآن نحن الإثنين معًا، والشيطان (الذي هو الوقت) ثالثنا :))

~ اخترنا إذًا القرار الأصعب، الإندماج الاضطراري مع المجتمع التركي، مبتعدين عن الجالية (بما في ذلك من منافع ومساوئ)، لكنّي تلقيّت الدرس التالي سريعًا، الابتعاد الجغرافي لن يغنيك عن الانتباه واليقظة.
في الحقيقة تعرّضت وزوجتي لعملية خداع واحتيال من طرف واحدة من الشخصيات التي تعرّفنا عليها في تدريب صحفي، وخرجنا من هذه التجربة مهزوزين قليلًا لكننا تمكّنا من تجاوز هذا الظرف وإعادة ترتيب أمورنا.

~ مع انتصاف العام كانت محاولاتنا الحثيثة لتعزيز عملنا من المنزل قد بدأت تؤتي أوكلها، وذلك بفضل انفتاحنا على منصّات العمل الحرّ مثل مستقل وخمسات. شيئًا فشيئًا بدأت ظروفنا المالية بالتحسّن، انتقلنا لمنزل آخر أفضل بكثير من المنزل الأوّل الذي اخترناه لأجرته الزهيدة، وتنفسنا الصعداء قليلًا.

~ في الربع الأخير من 2015 توظّفت مع شركة حسوب، جاء التوظيف بمثابة تتويج لمحاولاتي العمل من المنزل، استعدنا بذلك شيئًا من لياقتنا النفسية، بدأنا بتعلّم اللغة التركية بشكل أكثر جديّة (ومن المنزل أيضًا 🙂 )، بدأنا بالتعرّف على الجيران، وأخذنا في تعزيز استقرارنا هنا.

هذه كانت أبرز المحطّات في العام الماضي، تزوّجت، سافرت، وتمكّنت من إيجاد عمل، بل في الحقيقة حصلت على فرصة أفضل مما كان يمكنني تخيّله، وتجاوزنا معا – أنا وحنين – الكثير من الصعوبات التي صاحبت هذه المسارات.

إذا كنتُ أرغب بتلخيص بعض الأفكار فسأكتب ما يلي:

~ دومًا كان هناك نفس الاستراتيجية التي نتبعها منذ تعارفنا لتجاوز جميع المصاعب والتحديات التي تواجهنا، دومًا كنا نعود إلى الورقة والقلم، لتنظيم أفكارنا، رسم الخطط الممكنة، إعادة ترتيب الأولويات، وتحفيز الاقتراحات، وعلى مدى أربع سنوات أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها، ومكّنتا من تغيير خططنا وإعادة ترتيبها بما يتلاءم مع المستجدات.

~ نخصص (أيضًا منذ تعارفنا) وقتًا طويلًا للغاية في النقاش والجدال، ما يبلور في النهاية الرؤى والسلوكيات التي نطبّقها على أرض الواقع، العشّاق الذين يقضون فترة الخطوبة والتعارف في شاعريات فقط سيواجهون مشاكل كبيرة في التوافق لاحقًا.

~ في مرحلة ما كنت سأحاول الزواج من حنين منفردًا دون موافقة ورضا أسرتي، ولو فعلت ذلك لكنت قد ارتبكت حماقة.

~ كنّا إيجابيين معظم الوقت، وكأكثر ما يمكن أن يكونه اثنان يعيشان في ظروف الحربّ، وأيضًا في ظروف الحصار، حافظنا على حقنا في الحلم والتخيّل واستخدمنا هذه الطاقة أكثر ما يمكننا.

~ الواقع هو سيّد الأحكام، دومًا كنّا نعدّل خططنا واستراتيجياتنا بناء على ما يستجد معنا، وعلى ما لدينا من معايير واضحة، لم نتشبث بأيّ خطّة منذ البداية.

~ كشباب في مقتبل حياتنا اخترنا الإندماج بالمجتمع الذي لجئنا إليه من ظروف الحرب، لن أقول للآخرين اندمجوا أو لا، لكن من يرغب في الاندماج فعليه بالابتعاد عن الجالية وأن يرمي نفسه في المجتمع الجديد ويخالطه بنفسه بدون وسائط.

~ العمل من المنزل حقيقةٌ يعيشها الملايين حول العالم، والآلاف في العالم العربي، في آب 2014 كنت أخطط وأحلم، وبعدها بعام كنت أعمل من المنزل 100%.

~ أنصح الشباب المتزوج حديثًا أو المقبل على الزواج بالتروّي في موضوع الإنجاب، فكّروا مليًا في تأجيل الموضوع لسنة على الأقل، عيشوا أولًا حياتكم أنتم، أحلامكم أنتم، خذوا كامل وقتكم معًا، تجد اليوم الشباب في عمر 28 ويكون لديه طفلان أو ثلاثة وهو يركض لتأمين احتياجاتهم هم. تذكّروا؛ بإمكانكم الإنجاب لاحقًا، لكن هذه السنوات الذهبية لن تعود.

~ إذا كنت شابًا في الثامنة عشر وبرأسك الكثير من أفكار الاستقلال الشخصي والتمرّد، فابنِ مهارات يمكنها أن تومّن لك دخلًا يكفيك، هذا أهم ما تحتاج، وهذه أهم تجربة ستصقل أفكارك وتجعلها أكثر واقعية.

حسنًا، سأكتفي بهذا اليوم، وسأتحدث في المرة القادمة عن خططنا لعام 2016.
أكتب دومًا لأبلور نفسي وأفكاري أكثر، وكي أوجد مساحة من التفكير لكل من يقرأ.