/ الدين السائد

عقل صغير -> نص مجتزأ

تجري أمامي بشكل شبه يومي نقاشات تدور فيها الأفكار مدار الأخذ والردّ، إلى أن يأتي أحد الأطراف زاعمًا بأنه لا يقول رأيه، بل ما ينطق به هو الدين، هو حقيقة ما يريده الله ورسوله، مدللًا على ذلك بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية، وكنتُ مسبقًا قد تحدثت عن استغباء العقول هذا، وسأضرب هنا بعض الأمثلة..

يقتنع البعض ببعض الأعراف الاجتماعية فيما يتعلق بدور المرأة في المجتمع، القائلة بأن دور المرأة يكمن في منزلها لا غير (وقرن في بيوتكن)، وأن يكون تعاملها مع الآخرين حتى ضمن هذا المجال بأسلوب مخصص للغاية (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) دون أي نوع من أنواع الزينة والتجميل (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، لستُ أقصد هنا مناقشة أسلوب التفكير هذا، لكن المشكلة في جعل هذا الرأي هو الدين ورفض الرأي الآخر… بينما تتجلى الطامة الكبرى في اجتزاء هذه الايات (32+33 من سورة الأحزاب) من سياقها، وحذف مطلعها عند الاستشهاد بها (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، فالخطاب هنا مخصّص لنساء النبي اللواتي لسن كأحد من النساء!

يتم عادة ترسيخ سلطة رجال الدين على المجتمع ببعض الآيات والأحاديث، منها الآية 43 في سورة النحل (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وكما يقول صديقي فإن قرائتنا المضمرة لهذه الأية تكون على الشكل (فاسألوا أهل الذكر لأنكم لا تعلمون)، بكل الأحوال فالشاهد هنا اجتزاء الآية من سياقها الخاص والعام، فسياقها الخاص (الآية 44) تقول (بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)، فعدم العلم هنا هو بالبينات والزبر وليس في شؤون الحياة.

والذكر في القرآن هو الوحي الذي أرسله الله لجميع أنبيائه، فكما أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى (عامة الناس وليس رجال دينهم)، فإن أهل الذكر هم أتباع الآنبياء كلهم، من أهل الكتاب ومن متبعي البيانات والزبر.
فالآية تقول إن كنتم لا تعلمون أننا لم نرسل رسلًا إلا من الرجال، فاسألوا أتباع الأنبياء من شتى أصقاع الأرض ليأكدوا لكم هذه الحقيقة، بينما الآية بإجتزائها تأخذ معنىً مغايرًا تمامًا.

يأتي أحيانا من يقتبس الآية (واقتلوهم حيث وجدتموهم) تارةً ليثبت أن منهجه في القتل منهجٌ قرآني، وتارة يأتي من يستخدمها ليتحدث عن همجية الدين وإلهه، بينما الآية التي تليها (90 من سورة النساء) تكمل الصورة وتوضح المقصود (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا).

لا أحد يقتبس لنزار قباني (أكرهها وأحب كرهي لها) ليتحدث عن ذلك الإنسان الممتلئ كراهيةً تجاه المرأة… الكل يفعل ذلك مع القرآن!