/ تطوير الذات

التصالح مع الذات - الأنثى

من أكثر المقالات إيلامًا في سلسلة التصالح، التصالح مع الأنثى، وما ذاك إلّا لعمق الجرح القائم، وفداحة الظلم الواقع، والألم والمعاناة الناتجين عن ذلك كلّه، ويمكنني القول بأسى أنّه لم يظلم أحدٌ ولم يحارب أحد كما كان ذلك مع الأنثى وتجاهها، ليس بحجم الحيف الذي مورس فقط، بل بالنظر أيضًا إلى نتائجه وآثاره المدمّرة، على الذات / المجتمع / والوجود الإنسانيّ ككل.
عدم التصالح مع الأنثى، ظلمها، بل ومعاداتها، نَسقٌ بعدّة مستويات، فهناك أولًا الظلم الذي مارسته الأنثى تجاه ذاتها هي، ووجودها عينه، عدم التصالح الذي عاشته وآمنت به نفسها تجاه كيانها، ثم هناك عدم تصالحٍ تجاه الأنثى الأخرى، بل وعداءٌ لها أحيانًا، وأخيرًا هناك الظلم الذي تعرضت له من قِبل الرجل (ولعلّه كان مؤسّسًا للمنظومة ككل، ومُطلقًا لها).

ولنبدأ قليلًا بهدم بعض القناعات التي كثيرًا ما ظننا أنها «دين»، ولا أريد هنا أن أكتب بحثًا مطولًا، ولا أن أشيد البراهين والأدلة من كلّ حدب وصوب، سأكتفي بإثارة التفكير واستخدام معول التساؤل للهدم.
[التشكيك في الأحاديث ليس طعنًا في النبيّ، وإنما طعنًا في نسبتها إليه، صلى الله عليه وسلم]

  • أنّ حواء هي من أغوت آدم، وكانت سبب «الخطيئة» الأولى، وخروجنا من «الجنّة»:
    مستندين إلى حديث أبو هريرة في البخاري “لولا حوَّاءُ لم تخن أنثى زوجَها الدَّهرَ”، الموافق للرؤية التوراتيّة، والمتعارض مع الرؤية القرآنيّة:
    {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}
    {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}
    من تصدقون؟ أبو هريرة؟ أم القرآن؟
  • أنّ حواء خلقت من ضلعٍ «أعوج» فمهما رحت تحاول إصلاحه انكسر:
    مستندين إلى حديث أبو هريرة أيضًا في مسلم “إنَّ المرأةَ خُلِقت من ضِلَعٍ لن تستقيمَ لَكَ على طريقةٍ، فإنِ استمتعتَ بِها استمتعتَ بِها وبِها عوجٌ، وإن ذَهبتَ تقيمُها، كسرتَها وَكسرُها طلاقُها”
    [النظرة المتحاملة تجاه المرأة التي يحملها الحديث كافية لرفضه، رفض أن يكون النبيّ قد قاله]
    وهذه الرؤية، رؤية أنّ حواء خلقت من آدم، من ضلعه الأعوج تحديدًا (وهنا مشكلتنا)، غير مستندة لرؤية قرآنية، يقول تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً}
    الشراح هم من قالوا بأنّ النفس الواحدة آدم، وزوجها: حواء، لا أحد سواهم، بينما قد تحمل الآية معنىً آخر، وهو أن النفس الواحدة: حواء، وزوجها: آدم، وحتى هذا الكلام لا يلزمنا شيء أن نفهمه وفق الرؤية التوراتيّة، بأنّ أحدهما خلق “من” الآخر، بإعراب “من” على أنها تبعيضيّة، بل يمكن لنا إعرابها على أنها جنسيّة، أي خلق زوجا من عين جنسها، لذا فقد يكون المراد، أن آدم وحواء، كلا منهما خلق بنفسه، ولم يخلق أحد من الآخر.
  • أنهن ناقصات عقلٍ ودين:
    مستندين إلى حديث البخاري “يا مَعشَرَ النساءِ تصدَّقْنَ وأكْثِرْنَ فإنِّي رأيتُكنَّ أكثرَ أهلِ النارِ لِكثرةِ اللعنِ وكُفرِ العشيرِ ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودِينٍ أغلبَ لِذي لُبٍّ منكنَّ”
    فهل فعلًا المرأة أكثر أهل النار؟ وفقط لأنها تكثر اللعن؟ وهل هذا يعني أنها تلعن وتشتم أكثر من الرجل؟! (معقول!)، وهل هنّ اللواتي يكفرن العشير؟ حسنًا، ماذا عن خيانة العشير وظلم العشير التي يمارسها الرجل؟ ألا تدخله النار؟
    المرأة ناقصة عقل لأن شهادتها كشاهدة اثنين من الرجال، وهو تعليلٌ للسابق باللاحق، فإن الشرائع لاحقة في الوجود الإنسانيّ، متغيرة بين الأنبياء، بل في عهد النبيّ الواحد، فكيف يعلّل ماهو ثابتٌ وجوديًا، بما هو متغيّر شرائعيًا!
    وأين عقل الرجل عندما يغضب ويبطش، ويفور ويغلي، ولا يرى أمامه، ويفقد عقله وصوابه، حتى ليخيل للرائي أنه قد جنّ؟ وأين عقل الرجل و “الحديث” يقول بأنّ المرأة تسلبه إياه رغم ضعفها التكوينيّ!
    ثم إنّها ناقصة دين، يضيف “الحديث”، لأنها تلتزم بأمر ربها بعدم الصلاة والصوم في فترتها الشهريّة، التي أكرمها الله بها؟ فكيف يكون التزامها بأمر ربها نقصٌ في دينها؟ أم أنّ الدين هو “عدد” الركعات و “عدد” أيام الصوم!
    كل ما سيقال عن هذا الحديث، وعن سياق أنه في جو مرح ومداعبة وملاطفة، لا يفيد، لأنّه شكّل طريقة تفكير وطريقة نظر تجاه الأنثى، استنادًا إلى حمولته اللغويّة والمعنويّة المتحاملة على الأنثى.
  • أفهام خاصّة:
    هناك بعض آيات القرآن تفهم بواسطة العقليّة المؤمنة بتفوق الذكر على الأنثى، مثل قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، إذ يتمّ إخراج الآية من سياق الميراث لتطبّق في كلّ تعامل مع الأولاد، بل مع غير الأولاد، وليس السليم أن تعاد هذه النسبة (2:1) إلى سياقها في الميراث فحسب، بل أن ننتبه أيضًا أن النسب التي شرّعها القرآن في المواريث (وغيرها) إنما جاءت على خلفية اجتماعيّة واقتصاديّة معينة، لتحقّق العدل في هذه الظروف، وأن اختلاف هذه الأخيرة، ينبغي أن يفتح الباب لتتلاءم النسبة مع التغيّر الحاصل، زيادةً أو نقصانًا، فالتشريع يتحرى العدل، ولا يكرم الذكر على حساب الأنثى كما يخيل للبعض.

وهناك قوله تعالى {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}، الآية لا تقول أكثر من ذلك، ليس الذكر كالأنثى، وهذا مما هو مشاهد بديهيّ، في البنية الجسمية والعاطفية والنفسية وغيرها، ولا يفيد التفاضل بينهما، بل الاختلاف أوجد ليخدم التكامل، لكن عقليتنا القديمة المؤسسة من مئات السنين تخلق جوًا فكريًا خاصّة بفهم مثل هذه الآيات.


نظرتان هما الأسوأ تجاه الأنثى (سواءً نظرتها تجاه نفسها أو نظرة الآخر تجاهها)، الأولى بإعتبار أهمّ ما يميزها جسدها، الحجم والألوان والأطوال! لا أكثر ولا أقل!
دعك الآن من كل الدفاع المستميت لإنكار هذه النظرة، فمالذي توليه الأنثى أهميتها الكبرى عمومًا؟ عندما تقارن نفسها مع الأخريات ما هو موضوع المقارنة الرئيس؟ ما نسبة من يهتمنّ بأجسامهنّ مقارنةً مع من يولين عناية إضافيّة لعقولهن ومواهبهنّ المختلفة؟ الملاحظات -الأكثر أهمية- على الأنثى إلى أين توجه؟ إلى جسدها أم إلى عقلها مثلًا؟
مالذي ينال الأولوية الأولى إعجابًا وتقديرًا في الفتاة؟ ما أوّل ما يلفت النظر إليها؟ على ماذا يُبنى حبّ الأنثى عادةً؟ ما هو الدافع الأكبر لتعدد الزيجات؟
مالذي يشعر الأنثى بعقدة نقص؟ جمالها العاديّ أم موهبتها الغائرة؟
الأسئلة حقيقةً أكثر من أن تذكر، وكلّها تعطي مؤشراتٍ متقاربة على أن الأنثى جسد بالمرتبة الأولى، وما وراء ذلك أشياء “طيبة” و”مهمة”، لكنها تأتي في المراتب اللاحقة.

هذه النظرة جلبت الكثير من الآلام والمعاناة، أكثر مما يمكن تعداده، إذ أجبرت الأنثىَ، على أن تولي جلّ وقتها واهتمامها في جسدها، لا في عقلها، روحها، ومواهبها المختلفة، وهذا دمّر الكثير من الإمكانات الخلاقة التي كان يمكن للأنثى أن تتبوأها، وقزّمت وجودها في حدود ماديّة ضيقة للغاية، إذ حتى العقل والموهبة يصيران لخدمة الجسد ومتطلباته لا أكثر (الموظفة التي تعمل حتى تنهك، ثم تصرف كلّ مدخولها على المكياج والألبسة وجلسات العناية بالبشرة والأكسسوارات)، ثم استخدم هذا الدور المقزم كشاهدٍ إضافيّ على أنّ المرأة لا تصلح لأكثر من هذا. وتراكمت طبقات زمنية مذهلة من الشعور بالعبث، اللانفع، اللاجدوى، في نفسيّة الأنثى، خلقت نوعًا من الكآبة والنكد بل والتلذذ بلعب دور التضحية والشعور بآلامه!

الرجل أيضًا عانى، عندما لم يخبر من المرأة سوى جسدها، وقُزّمت علاقته معها، على بعدين أو ثلاثة لا غير (الجسد، الأم المربيّة، مدبرة المنزل..)، وهذا بدوره خلق الرغبة في البحث عن الجديد، بحثٌ تائه لا يعرف مالذي يدفعه، شعور بنقص شيءٍ ما، بعدم اختبار الطاقة الكامنة في الأنثى كاملًا، يدور ويدور، وتُخلق أزماتٌ ومشاكل أخرى باستمرار، طالما أن المستوى التفكيري الذي أوجد الأزمة لم يتغيّر.
ثم إنّ المجتمع عانى جدًا، فلم تحسن الأنثى إعادة خلق الرجل، ولم يحسن هو إعادة خلقها، ولم يحسنا معًا في خلق جيلٍ جديد، قادرٍ على صناعة واقعٍ أفضل حالًا.

يبدو التشخيص سهل وممتع، لكنّ الواقع مرّ للغاية، وتحديّ المنظومة ككل ومحاولة تحطيمها والخروج عنها، أشد، وأخطر!


النظرة الثانية التي أساءت للأنثى بشكل كبير، تصنيفها في خندق: الحياة الدنيا، الزندقة، المجون، الشيطان، الإثم، الخطيئة، العورة، هذه النظرة مدعّمة من سابقتها، فعندما تَعمى عن إنسانيّة الأنثى، وتبقى حبيس جسدها، قد تنزلق بك القدم إلى هذا المهوى..
عزّزت هذه النظرة بالطريقة الكهنوتيّة التي عومل بها الارتباط بين الأنثى والذكر، من قبيل قطع الطريق على المتحابين لسببٍ أو لآخر، أو من قبيل تزويج الناس بدون حبّ، وغيرها من مشاكل المؤسّسة مما لا طاقة لذكره هنا.

هذا الخوف والتوجس من الأنثى، بدل الفناء بها في وحدة وجوديّة تعيد خلق الطرفين، أوجد الكثير من الأزمات التراثيّة العصيّة على العلاج إلى اليوم، من قبيل ظاهرة العشق الإلهي، والخمرة الإلهية، والفناء في الإله عند المتصوفة،  أو ظاهرة الحبّ المفرط تجاه الشيخ (عند الذكور) / تجاه الآنسة (عند الإناث)، أضف إلى ذلك الخطاب الخشبيّ المتعصب المنغلق على نفسه عند قطاعاتٍ كبيرة من التيار السلفيّ، الذي يشي عن غياب حبّ الأنثى والسكر في عشقها في منظومتهم الفكريّة والحياتيّة.


خاصمتم الأنثى، فخاصمكم الوجود كلّه..

(قبسٌ من المعاني، ملهمة من صديقتي هبة‬)